هل خدعونا باسم التحرر؟ كيف يُصنع التقدم الحقيقي بعيداً عن الضجيج الثقافي
حين يصبح الضجيج بديلاً عن الفكر في زمن تتسابق فيه الأصوات إلى إثارة الجدل، لم يعد الصراع الحقيقي بين الجهل والمعرفة فقط، بل بين نموذجين للحياة: نموذج يرى أن التقدم الحقيقي يولد من العقل والمعرفة والعمل، ونموذج آخر يعتقد أن الضجيج والتحرر الشكلي هما الطريق الأقصر إلى النهضة. في كل مرة يُطرح فيها سؤال التقدم، يخرج علينا خطاب ثقافي جديد يختزل النهضة في كسر القيود، ويختزل الحرية في الانفلات، وكأن المجتمعات لا يمكن أن تتقدم إلا إذا تخلت عن منظومتها القيمية. لكن الواقع يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. فبين صخب الإعلام وضجيج الخطابات، تتشكل في صمت حركة أخرى من العلماء والباحثين، تصنع التقدم الحقيقي بعيداً عن الأضواء. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يصنع الضجيج حضارة، أم أن الحضارة تُبنى بالعقل والعمل؟ أولًا: وهم التحرر وصناعة الخطاب الثقافي المعاصر لم يعد التحرر مفهوماً مرتبطاً بتوسيع آفاق العقل أو تحرير الإنسان من الجهل والفقر والاستبداد، بل تحول في كثير من الخطابات إلى مجرد حالة شكلية، تُقاس بالمظهر واللغة الصادمة والقدرة على إثارة الجدل. هذا التحول الخطير جعل مفهوم التقدم الحقيقي يتر...